ابن كثير
59
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
كبيرا ، وبين ذلك وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا ، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم من يكون في الدرجات العليا ونعيمها وسرورها ، ثم أهل الدركات يتفاتون في ما هم فيه ، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون ، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . وفي الصحيحين « إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء » « 1 » ولهذا قال تعالى : وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا وفي الطبراني من رواية زاذان عن سلمان مرفوعا « ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع ، إلا وضعه اللّه في الآخرة أكبر منها » ثم قرأ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 22 ] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) يقول تعالى ، والمراد المكلفون من الأمة : لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً أي على إشراكك به مَخْذُولًا لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه ، وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا ، لأن مالك الضر والنفع هو اللّه وحده لا شريك له ، وقد قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن أنزلها باللّه أرسل اللّه له بالغنى إما آجلا وإما غنى عاجلا » « 3 » رواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له ، فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر ، قال مجاهد وَقَضى يعني وصى ، وكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود والضحاك بن مزاحم وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ولهذا قرن بعبادته برّ الوالدين ، فقال : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي وأمر بالوالدين إحسانا ، كقوله في الآية الأخرى أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان : 14 ] .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 8 ، والرقاق باب 51 ، ومسلم في الجنة حديث 11 . ( 2 ) المسند 1 / 407 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الزكاة باب 28 ، والترمذي في الزهد باب 18 .